ابن الجوزي
318
كتاب ذم الهوى
ثم التقتا ، فأخبرت كلّ واحدة صاحبتها الخبر ، وأحمدتني عتبة ، وصحّ عندها أني محبّ محقّ ، فلما كان بعد أيام دعتني ؛ فقالت : بحياتي عليك إن كنت تعزّها إلا أخذت ما يعطيك الخادم فأصلحت به من شأنك ، فقد غمّني سوء حالك . فامتنعت . فقالت : ليس هذا مما تظنّ ، ولكن لا أحب أن أراك في هذا الزي . فقلت : لو أمكنني أن تريني في زيّ المهدي لفعلت ذلك . فأقسمت عليّ فأخذت الصرة فإذا فيها ثلاث مئة دينار ، فاكتسيت كسوة حسنة ، واشتريت حمارا . فصل : ويتأكد العشق بإدمان النظر وكثرة اللقاء وطول الحديث ، فإن انضمّ إلى ذلك معانقة أو تقبيل فقد تمّ استحكامه . وقد ذكر حكماء الأوائل أنه إذا وقعت القبل بين المتحابّين ، ووصلت بلة من ريق كلّ واحد منهما إلى معدة الآخر ، اختلط ذلك بجميع البدن ، ووصل إلى جرم الكبد ، وهكذا ، إذا تنفّس كلّ واحد منهما في وجه صاحبه ، فإنه يخرج مع ذلك النفس شيء من نسيم كلّ واحد منهما ، فيختلط بأجزاء الهواء فإذا استنشقا من ذلك الهواء دخل في الخياشيم ، ووصل بعضه إلى الدماغ ، فسرى فيه كسريان النور في جرم البللور ، ووصل بعضه إلى جرم الرئة ، ثم إلى القلب . فيدبّ في العروق الضوارب في جميع البدن ، فينعقد من بدن هذا ما تحلّل من بدن هذا ، فيصير مزاجا ، به يتولد العشق وينمى .